وفي الزمانات .. طبق وقصة


عندما طُلب من الفوديز كتابة مقال لهذا العدد، بَدر الى ذهني المناسبات العديدة التي انتهينا منها قبل قليل كالحج وعيد الأضحى والسنة الهجرية الجديدة وصيام عاشوراء. وكما انها –بالغالب- مواسم عباده فقد إعتاد أهل الحجاز (مكه والمدينه وجده تحديدا) على طقوس معينة في سُفرتهم فارتبطت هذه المناسبات بأكلات بسيطة وشهية وتعتبر موسميه لا تعاد إلا سنويا وفي نفس المناسبه.

فمع دخول موسم الحج، كانوالرجال يشتغلون بأمور الطوافه بينما ربات البيوت يقومون على تحضير المعمول والغريِّبه بكمّيات كبيرة وكانت توضع في تباسي على عتبة الباب والمار من أهل الخير ياخدها لمخبز العيش عشان تنخبز ويرجعوها لنفس البيت تاني مرة.

وفي يوم عيد الأضحى، وبعد أن يتم تقسيم الأضحية الى ثلاث أقسام كما التوجيه النبوي: للأهل والجيران والصدقه، نجد أن الثلث المخصص لأهل البيت يتم تقسيمه أيضا إلى أقسام: اللحم الهبره، اللحم بعظم، والكبده وتوابعها. تقوم ست البيت بتحضير “المُنَزّله” بهبرات اللحم الكبيره والذي يُحضّر كالمُعرّق ويعتمد على إبزار جوزة الطيب ويطبخ اللحم الى أن يذوب تماما ثم يُطفى بالطحينه البلدي ويؤكل بالعيش الحب “زي الإيدام الغموس”. أمّا الطبق الثاني فهو “المقلقل” وله شعبيه للآن وهي قطع من اللحم بعظم وشوية دهن تنطبخ زي ماهيَ ( عشان تطلع مويتها ودهنتها) وتتقلقل وتتبزّر بالملح والفلفل الأسود والكمون. وبعض الناس يضيفوا عليه قطع بصل وطماطم عند الغرف. ومن الملاحظ أن الأطباق تمتاز بالبساطة لإنشغال أهل مكة والمدينة بالطوافه فالتحضير بيكون “سريع سريع” من ناحيه، زي ماهو الحال مع المقلقل وطبق الكبدة الُمشوّح والكمّونية و”السَلات” عند أهل المدينه وهي شرايح صغيرة ورفيعه السُمك ويتم طبخها على الحجر الساخن المدهون بالشحم والزيت. أما من ناحيه أخرى، كانوا أيضا يُحضّرون أطباقا أخرى تتميز بأنها “تِجلس وماتخرب” زي ” الشعيرية” و”الحلاوة التركي” لأن الأكل كان شحيح في موسم الحج والإعتماد كله على الأرزاق المتوفرة في البيت.

وتيجي أول السنه والناس هِديت شوية وارتاحت فيتفائلوا بالخير ويبدأو صباح أول محرم بكوب حليب ساخن بالهيل والسكر وعلى الغدا يطبخوا الملوخيه (طازه أو ناشفه) والقهوة الحلوة للعصرية. وبعدها يجيهم صيام عاشوراء وزي ماهو معروف أنه في منطقة الحجاز تجتمع العادات العربية من مصر والشام على الغالب. فزيّهم بيعملوا “العاشورية” وبأرزاق البيت ولكن استخدموا فيها دقيق الرز بدل النشا اللي بيستخدموه أهل الشام او الحب زي أهل مصر.

والظريف في موضوع العاشورية لهدي السنة انه فعلاً كان حديث الأسبوع في إجتماع العوائل وعلى الواتس آب والسناب شات كمان صارت الناس بتسأل وبتتبادل وصفاتها. أنا شخصياً، كنت أعرف العاشورية بالإسم فقط! فمع حديث الناس صِرت أسمع لهم واقرأ وصفات العوائل زي بيت الخاشقجي وبيت إلياس وبيت الشربتلي وطلعت بمقاديري من اللي جمّعته وفهمته من وصفاتهم وعملتها بشجاعة على السناب شات وطَلبت من المتابعين إنهم يصححوني في أي خطوة هما شايفينها مش مزبوطة.

فجاتني تعليقات بسيطه لكن حلوة: إن البعض بيطعمها بالمُستكة بدل الهيل وماء الزهر وعجبتني لأن المستكة حتعطيها نكهه مختلفه عن القهوة الحلوة (قهوة اللوز). وتعليق آخر، إنه ناس تِزوّد مكسرات مسّكره وفواكه مجففه وورد مجفف للتزيين.

وإنه أهم شي في العاشورية إنها تتكون من عشرة حبوب تجمع بين البقول (حمص، فاصوليا بيضا، ماش/كشري أخضر، حب أبيض، لوبيا) والمكسرات (فستق، لوز بجلي/حجازي، كاجو، قعقاع، لوز سوداني). بصراحه كانت تجربة جميله وإحساسها لطيف؛ كيف إننا رجعنا نربط المناسبه بطبق أو مشروب والتفاعل كان جداً إيجابي ودافىء من ناحية، ومن ناحية تانية إنه السيدات الكبار بالسن والأمهات صاروا مبسوطين وهما بيّحكوا ويفتكروا الوصفات.

وكمان لمّت الأسرة على كوب العاشورية صارت مُشوّقه والمراسيل راحت وجات بين البيوت.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *